لحظات السعادة.. بين الوقت والعمر !

الفارق في تكوين أنماط حياتنا هو الوقت ، هذا الممر السلس الذي يتسرب عبر الحياة منذ نشأة الإنسان  مرورا بطفولته وشبابه وقوته وكهولته وضعفه ، لحظات الإنتظار هي التى تجعلنا نكبر ونكبر في إنتظار شئ ما ، يمنحنا اللذة التى تتولد من الرغبة التى نريدها أن تتحقق وهي ما نصفها غالبا بالسعادة ، لأنها مربوطة في مخيلة وتكوين كل إنسان أنها اللحظات المنتظرة التى تمنح النشوة ويكون هرمون الدوبامين في أعلى مستوياته التى لا تتقهقر في تلك اللحظات أو الساعات أو الأيام  ، التى نحقق فيها ما نريد وتمر في انتظار لحظات أخرى لنشعر فيها بنشوة أخرى من السعادة، وبين تلك النشوات من السعادة يمر زائر لا نحسب له حساب يتسرب من بين حياتنا ، هو الوقت وهو العمر.

 فهناك أناس يؤجلون سعادتهم المربوطة بالحياة الى آخر العمر ، كهدية مستحقة بعد عمر طويل مملوء بالعطاء والكد والإجتهاد ، كهدية فخمة بعد عناء لتسترخي فيها أذهانهم وأجسادهم  وتمنحهم الإستراحة  المستحقة ، ليتجولوا  في الأرض بحثا عن الحياة التى فاتتهم في غضم انشغالهم ، ليبحثوا عن ذواتهم في  المزارات والسياحة والتأمل والتجول في الأرض أو الراحة في البيت أو المزرعة وغيرها مما تتفضل به غريزة البقاء التى كونت هذه المعادلة منذ بدايتها.

والنمط الآخر الذي يستهلك حياته مع جائزته آنيا ، غير عابئ أو واع بالعواقب التى سوف تشكل له عبء في المستقبل ويكون على أثرها مستهلك مزري وقد يهيم على نفسه بحثا عن التعويض  ، مما تشكل له عوائق لا تتضح صورتها الا بعد أثر من الزمان ، ويتفاجئ أنه لم يحقق شيئا مع زائر ثقيل حينها يسمى الوقت يسمى العمر .

architecture-1837176_1280

لحظات الإنتقال في الدائرة الزمنية التى تشكل عمر الإنسان هي أثمن اللحظات التى تكون له مراحل حياته و على أثرها يتكون مفهوم السعادة ، لأن الضد الذي يعاكس هذا المفهوم ولا يُنتظر من الإنسان بطبيعته ولا يحبه ، لأنه مجبول على حب التملك تملك النجاح تملك المال تملك الجاه تملك كل ما يملأ له هذا الحيز في نفسه ليشعر بالرضا والاطمئنان الذي تمنحه السعادة وهذا من فطرته ، لذلك لحظات التعامل مع الألم تستلهم مما يعتقده الإنسان ويؤمن به في كيفية مواجهته تلك اللحظات والتعامل معها ، لذلك نرى أن المعادلة التى تجمع بين كل هذه الأضداد والمشاعر والتعاملات هو الزمن والوقت الذان يكونان العمر .

لعلني كررت الزمن والعمر .. لأنهما مرتبطان بحياة الإنسان إرتباط وثيق و منهما تنبع سعادة الإنسان أو شقاؤه وعبرهما تتكون أحداث حياته المنتظرة والطارئة وبينهما تتكون الصلات أو تنقطع و بنهايتهما توفيق أو عدمه ، فما يميز هذا العمر على إمتداده هو استغلال اللحظات أن نعيشها كما ينبغي ، يجب أن نقنع أنفسنا أن نعيش يومنا بيومه وأن نستغل اللحظات التى تمر من خلاله على أنها أنفاس يجب تذوقها كما هي أحيانا بدون تعديل و نتركها كما هي ، لأنها لحظات تحتاج الى تذوق دون تدخل ، لأن ما يحتاج الى تدخل هو التخطيط والبناء والعمل وتصحيح الأخطاء ، وبين هذه المعادلات في حياة الإنسان تتكون اللحظات التى نحتاج أن نعيشها كما هي بدون توتر أو ضجر أو ملل لأنها لا تعود ، ويكبر الإنسان معها ويتطلع دائما الى الأفضل الى الغد والمستقبل ويعمل لذلك وهذا جزء مشروع من التطلع للطموحات والغد الأفضل لكل إنسان ، ولكن تفوت عليه تذوق اللحظات التى تمر مع عمره وهو يتطلع الى غير ما في يده أملا في الإنتظار وعليه يتسرب العمر بدون شعور ويتقدم ليتفاجأ أن أحداث كثيرة لم يعشها كما ينبغي وأنه إنهمك في انتظار لحظات السعادة المنتظرة أو الانهماك فيما يشغله بغض النظر عن جديته من عدمها .

face-4505196_1920

تذكرت بعد المرحلة الجامعية ومع الأقران أنه كلما تجمعنا في مناسبة وبسؤال بعضنا البعض عن الأحوال عموما ونحن بلاعمل في ذاك الوقت ولنا آمال في المستقبل والطموحات وتكوين الأسر ، أنه تفاؤلا ننتظر الحدث القادم ونرى بعده ما سوف يأتي سواء أكانت مناسبة عيد أم رمضان أو عودة قريب من الخارج أو مناسبة زواج  وغيرها من الأحداث والمناسبات المختلفه ، وهذا كان من ضرب التفاؤل المكذوب بلاعمل في انتظار الهدية والمستقبل ، وهذا نوعا ما من بعض عيوب بيئتنا ووالعادات المكتسبة في فنون الإنتظار  وتقنين العطالة.

لذلك علينا التأمل دائما وإسهاب التفكير في كل جوانب حياتنا وموازنتها وتذكير بعضنا البعض برفق بجوانب اخفاقاتنا وثغرات عيوبنا ، والأكثر من ذلك الترفق بذواتنا أملا ونحن نجلس معها لتذكيرها ونصحها على امتداد أعمارنا  ، لأن الجلد دائما ما يأتي بعكس ما نريده اذا استمر على وضع النقد اللاذع بدون حد ، فالرفق ماكان في شئ إلا زانه ، علينا التأمل وكسب الوقت لصالحنا عبر مصالحة الذات بتذوق اللحظات التى تمر عبر حياتنا كما هي جميلة ومنسابة ولا تحتاج الى تدخلنا دائما ، ونتدخل فيما يكسبنا وعيا ايجابيا بحياتنا ويزيدها ألقا.

 

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s