لحظة شهيق

 aerial, aerial view, aeroplane

لحظة شهيق

في تلك الليلة بآخر التسعينات عندما تخرجت من الثانوية مسافرا نحو الأحلام نحو الآمال والحياة الجديدة ، فقد كانت ليلة حالكة الظلام ممزوجة بضباب الجو لم تبددها الا نصائح الوالد الحانية وهو يوصلني الى المطار فقد كانت همسات عاطفية ممزوجة بتوجيه  الوالد المربي  بجد النصح والارشاد لما أنا كنت مقدما عليه وهي المرحلة الجامعية. 

فقد كنت أعشق السفر والترحال واجواء المطارات وكبائن الطيارين وتشكل بعدها حلم الطيران وقيادة الطائرات الى يومنا هذا الذي توجهت فيه الى مسار آخر وبلغ عمري ما بلغ و ما زلت أكتب عن تلك الأحلام ، إنتهيت من إجراءات السفر الروتينية وانتهينا ركوبا على الطائرة والحمدلله ،فجأة استفاق ذهني على حوادث الطائرات لماذا في تلك اللحظة ولماذا هذا التوقيت لا أدري ؟!

فقد كانت الطائرة خالية وباردة وعادة الشعور بالبرد قد يشعرك بالتوتر لما يصيب جسدك كقشعريرة جو الشتاء ، فالذهن إمتلاء عن حوادث الطائرات بلا سبب في تلك اللحظة ، وأقلعت بنا ” ميمونة ” – اسم الطائرة –  وكان الجميع مطمئن واكتحلت عيني بمناظر الشوارع والحضارة الإسمنتية التى تملأ مدننا  دون موازاتها بحضارة إنسانية تفوقها تطورا ولكن كما نحن دائما نفاخر بالآلات والأجهزة والمكيفات والمفارش والسيارات لعلها تزيدنا تطور وتكسبنا علما ، فالبرغم من أن الانسان هو صانع حضارة والآلة ولكن الواقع بات يرتد معكوسا فيلجا الانسان للآلة لتستعبده و لتصنع له طعامه وتحسب له ماله وتطور له نومه وتكوّن  له يومه ، فبات كسلان خمل لا يلجأ الى شئ الى بمساعدة هذه الآلة فكيف نتطور ونزهو ونتقدم.

ونحن هبوطا وسط أجواء الضباب فقد كنت بجانب لوحتى الزهية التى تريني هذا العالم من الاعلى ، نافذتي على العالم لم تكن بهذا الاتساع مثلما هي الآن فالطبيعي أن يتقدم العمر وتتفتح معه الآفاق والطموحات والآمال والأحلام وكل له ثمن ، فجأة مع سطوع أضواء الهبوط الحمراء وسط الضباب قفزت الى ذهني فكرة الحوادث مرة أخرى  وبدا قلبي يدق فقد ارتسمت بذهني صورة الحريق ، حريق في جناح الطائرة مع اندفاع الطائرة مرة أخرى من وضعية الهبوط الى وضعية الإقلاع  بدون أي مقدمات وبشكل ضاغط شهق له جميع الركاب  بسبب عدم مقدرة ربان الطائرة على الهبوط وسط الضباب واكتمل المشهد  كاملا ، وأغلقت النافذة و أغمضت عيني وكومت جسدي  وتلوت الشهادتين بصدق راجيا لحظة الارتطام او الانفجار أو ماشابه . 

بلى صدقت ربي سبحانك وما الحياة الدنيا الا متاع الغرور ، فاللحظات الفاصلة بين مشاهدة الموت والحياة لا يفصلها إلا خيط رقيق هو خروج الروح الى بارئها وعندما تعيشها تدرك أن الحياة لا قيمة  لها إلا بتذكر الموت ورفاقه من المرض والجوع واليتم والفقر والألم ، وهنا سوف تعيش برؤية جديدة ونحو جديد وتعرف أن لاقيمة لحسد او حقد أو كراهية أو غرور وتكبر .

ويجب أن نحب الحياة ونعرف قيمتها أكثر مع كل تعيشه وكل لحظة تحظى فيها بحب الآخرين لك ، وقيمة النعم والأشياء من حولك وصحتك وعافيتك وحريتك واختياراتك ، كل هذه الاشياء وأكثر لها قيمة تجعل من الحياة جنه جميلة ، فالنحب ونتسامح .

 

One Comment اضافة لك

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s